أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
109
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 63 إلى 65 ] قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ( 63 ) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ( 64 ) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ( 65 ) قوله : جَحَدُوا جملة مستأنفة سيقت للإخبار عنهم بذلك ، وليست حالا مما قبلها . و « جحد » يتعدى بنفسه ، ولكن ضمن معنى كفر فتعدى بحرفه كما ضمن كفر معنى « جحد » فتعدى بنفسه بعد ذلك في قوله : كَفَرُوا رَبَّهُمْ وقيل : إنّ كفر ك « سكر » في تعديه بنفسه تارة وبحرف الجر أخرى . و « الجبّار » تقدم اشتقاقه . و « العنيد » الطّاعن المتجاوز في الظلم من قولهم : عند يعند إذا حاد عن الحقّ ، من جانب إلى جانب ، قيل : ومنه : « عند » الذي هو ظرف ، لأنه في معنى : « جانب » ، قولك : عندي كذا ، أي : في جانبي وعن أبي عبيدة : العنيد والعنود والعاند والمعاندة كلّه المعارض بالخلاف . قوله : وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ كالذي قبله ، والعامة على منع « ثَمُودَ » من الصرف هنا لعلتين ، وهما العلمية والتأنيث ، ذهبوا به مذهب القبيلة ، والأعمش ويحيى بن وثاب صرفوه ذهبا به مذهب الحق . وسيأتي بيان الخلاف في غير هذا الموضع قوله : مِنَ الْأَرْضِ : يجوز أن يكون لابتداء الغاية ، أي : ابتدأ انشاءكم منها ، إما أنشأ أصلكم وهو آدم ، أو لأن كل أحد خلق من تربته ، أو لأن غذاءهم ومنبت حياتهم من الأرض . وقيل : بمعنى « في » ولا حاجة إليه . قوله : وَإِنَّنا هذا هو الأصل ، ويجوز « وإنّا » بنون واحدة مشددة ، كما في السورة الأخرى ، وينبغي أن يكون المحذوف النون الثانية من « أنّ » ، لأنه قد عهد حذفها دون اجتماعها مع « نا » ، فحذفها مع « نا » أولى ، وأيضا فإنّ حذف بعض الأسماء ليس بسهل . وقال الفراء : من قال : أنّنا » أخرج الحرف عن أصله ، لأن كناية المتكلمين « نا » فاجتمع ثلاث نونات ، ومن قال « أنّا » استثقل اجتماعها ، فأسقط الثالثة ، وأبقى الأوليين . انتهى ، وقد تقدم الكلام في ذلك أول هذا الموضوع « 1 » . قوله : مُرِيبٍ اسم فاعل من « أراب » و « أراب » يجوز أن يكون متعديا من : أرابه أي : أوقعه في الريبة ، أو قاصرا من : أراب الرجل أي : صار ذا ريبة ، ووصف الشك بكونه مريبا بالمعنيين المتقدمين مجازا . وقوله : أَ رَأَيْتُمْ إلى آخره . قد تقدم نظيره ، والمفعول الثاني - هنا - محذوف تقديره : أأعصه ، ويدل عليه إن عصيته . قال ابن عطية : « هي من رؤية القلب ، والشرط الذي بعده وجوابه يسد مسد مفعولين ل أَ رَأَيْتُمْ » .
--> ( 1 ) أنظر سورة البقرة ، آية : ( 186 ) .